اسماعيل بن محمد القونوي

262

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

التراخي دلت على أنه لا يجب عليه الاتيان بالشهود على الفور انتهى وهذا معلوم في الشرع إذ عموم الشهادة كذلك فلا يحتاج إلى التنبيه عليه على أنه يوهم أن اتيان الشهداء على الفور لا يحسن بل لا يصح إذ مقتضى التراخي الزماني ذلك ولم يجيء ثم لا يأتون بأربعة شهداء كما هو الظاهر إذ الجلد إنما يترتب على عدم اتيان الشهادة كونها ماضية بالنسبة إلى الجلد لا المستقبل فإن عدم اتيانها بالنسبة إلى المستقبل إنما يتحقق في آخر العمر وأيضا لا يتصور أن يتأخر عن الجلد اتيان الشهادة في المستقبل والمراد أربعة رجال خلص شهداء لأن التاء دلت على كون المراد الرجال واستدل الفقهاء بمثل هذه الآية على ذلك « 1 » . قوله : ( والقذف بغيره مثل يا فاسق ويا شارب الخمر يوجب التعزير كقذف غير المحصن ) قيل فيه شبه مصادرة وليس بشيء لأنه ليس المراد اثبات ما ذكر بهذه الآية بل بيان أنه المراد بعد تقرر ما ذكر في الشريعة انتهى وجه كونه شبه مصادرة هو أن قوله : يقذفونهن بالزنا في قوة قوله لا القذف بغير الزنا فإنه يوجب التعزير ثم أخذه في الدليل مصادرة بالنسبة إليه وإنما قال شبه مصادرة لأن ذلك في الدعوى غير مصرح به بل بطريق اللزوم ولا يخفى ضعفه إذ لو صح هذا الاعتبار لتحقق شبه المصادرة في كثير من المواضع وجوابه على تقدير وروده أن قوله والقذف بغيره الخ ليس من تتمة الدليل لأن الدليل يتم بدونه بل جواب سؤال مقدر وهو أي شيء يلزم بقذف غيره فأجاب بذلك وكذا يوجب التعزير في قوله يا كافر عندنا وأما عند الشافعي فإن قال ذلك بغير تأويل يوجب كفره وردته لا التعزير كما نقل عن الروضة لحديث من كفر مسلما بغير حق فقد كفر وفي المسألة بحث شريف مبسوط في محله المنيف « 2 » . قوله : ( والإحصان ههنا بالحرية والبلوغ والعقل والإسلام والعفة عن الزنى ولا فرق فيه بين الذكر والأنثى ) ههنا احتراز عن الإحصان في الزاني ولا يشترط ههنا التزوج بنكاح صحيح والوطء مع تحقق الشروط الخمسة . قوله : والإحصان هنا بالحرية والبلوغ والعقل والإسلام والعفة عن الزنا أي شروط الإحصان في باب القذف هذه الأمور الخمسة اتفاقا بيننا وبين الشافعي رحمه اللّه وأما في باب الرجم فستة عندنا وخمسة عند الشافعي لأنا لا نشترط الإسلام في الإحصان في باب الرجم والشافعي يشترطه . قوله : ولا فرق فيه بين الذكر والأنثى أي لا فرق بينهما في إجراء هذا الحكم عليهما فإنه سواء كان المقذوف رجلا أو امرأة يجري على القاذف حكم القذف وهو الجلد ثمانين جلدة وإن ورد النص في قذف النساء وأما تخصيص النساء بالذكر وإن كان الحكم يعم المحصنين أيضا فلخصوص الواقعة لا لتخصيص الحكم بهن فلا يقتصر على مورده ولأن قذف النساء أغلب وأشنع فلكون قذفهن أغلب وأشنع ورد ايجاب حكم الجلد ظاهرا فيهن وهو أعم في حق النساء والرجال جميعا .

--> ( 1 ) لأن العدد من الثلاثة إلى العشرة مذكرة بالتاء ومؤنثة بلا تاء . ( 2 ) وحاصله إن قال ذلك مستحسنا للكفر يكفر قائله وإلا فلا .